YoutubeTwitter

نبذه عن المرحوم محمد بن خالد القاسمي

Rate this item
(8 votes)
Written by on الجمعة, 13 حزيران/يونيو 2014 13:42

فلم وثائقي يجسد مسيرة المرحوم الشيخ محمد بن خالد القاسمي

 

 

الميلاد . النشأة . الدراسة .

ولد الشيخ محمد بن خالد القاسمي في عام 1967 م ، من صلب عائلة القواسم العريقة .. والده الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة " السابق " ـ يرحمه الله ـ واحد مؤسسي دولة الإتحاد والموقعين على وثيقة إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة .. والدته هي الشيخة نورة بنت سلطان القاسمي رئيسة الجمعية النسائية بالشارقة وصاحبة النشاط الاجتماعي والإنساني الحافل .. ومحمد هو الشقيق الثالث من بين إخوانه الذكور الأربعة فيصل وسلطان واحمد بن خالد القاسمي .

نشأ الشيخ محمد في ديار القواسم المعروفة بالتمسك بتقاليد ديننا الحنيف والشهامة والكرم ، وكانت إرادة الله أن ينهل من معين والده حاكم إمارة الشارقة ـ حينئذ ـ لأربعة سنوات فقط كان خلالها مقربا إلى قلب ونفس الشيخ خالد بن محمد القاسمي الذي رحل تاركا الوصية والمهمة للشقيق الأكبر الشيخ فيصل كالقاسمي ليتولى تربية ورعاية إخوانه التربية الصالحة والنابعة من طيب الأصل .. ورغم فارق السن فقد كان الشيخ فيصل بمثابة الأخ والأب والصديق والمثل الأعلى لشقيقة محمد الذي كان هو بدوره مثالا للطاعة والالتزام والتمسك بصالح الصفات والأخلاق النبيلة .. وعاش الشيخ محمد مرحلة طفولته الأولى مترعرعا في ديار القواسم العامرة ، وفي كنف إمارة الشارقة وربوعها .. طفولة طبيعية بريئة شهدت غرس العديد من المفاهيم والقيم في نفسه من قبل والدته وشقيقه الشيخ فيصل .

ووصل الشيخ محمد إلى عمر الدراسة فلبى نداء العلم بكل حماس وشغف والتحق بمدرسة على بن أبي طالب الابتدائية وأنهى المرحلة بتفوق ملحوظ ، وانتقل إلى المرحلة الإعدادية في مدرسة خالد بن محمد ، ومنها إلى المرحلة الثانوية بمدرسة العروبة ، ثم شد الرحال وانتقل إلى مدينة العين للالتحاق بجامعة الإمارات ودرس علما متخصصا وهاما هو علم الجغرافيا ، وتخرج من الجامعة حاصلا على شهادة البكالوريوس في عام 1989م ، وكان عمره وقتها (22) عاما .
الرياضة شغله وحبه الأول .

الرياضة بالنسبة للشيخ محمد بن خالد القاسمي هي حبه الأول وهي الجانب الأبرز والأكثر مساحة في تفاصيل حياته .. انجذب إليها منذ صغره وتعلق بها بسبب ارتباطه الوثيق بشقيقه الأكبر الشيخ فيصل الذي دخل هذا المجال في سن مبكرة وترأس نادي الشعب منذ إشهاره ولمدة 27 سنة كاملة .. وكان هذا الصرح الكبير الواقع في أروقة مدينة الشارقة هو البيت الذي تربي فيه الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ التربية الرياضية ، وكما يروي الشيخ فيصل القاسمي فقد كان شقيقه حريصا على مرافقته دائما إلى النادي وكان يتركه في الإدارة ويتجول في الملاعب التي لم تكن آنذاك بنفس الإمكانيات والمستوى الحالي ، ويمارس بعض الألعاب مع الفرق الموجودة كالطائرة وكرة القدم .

لقد تفتحت عيون الراحل على هذا العالم الساحر والمشوق .. عالم الرياضة بمختلف ألعابها داخل أسوار نادي الشعب الذي قد لا يكون لديه أسوار وقتها .. نشأ على حبها وارتبط بها منذ ان كان عمره (5) سنوات ، وزاد عشقه لها مع مرور الزمن حتى أضحى واحدا من أهم أقطابها الإدارية الناجحة ، ورغم انه لم يمارس لعبة معينة بصورة رسمية ، ولم يكن مثلا نجم من نجوم كرة القدم .. فقد فاقت علاقاته وشهرته وهو يمارس الرياضة من على مقعد الإدارة شهرة النجوم الكبار ، وكان معروفا لدى كافة الأوساط الرياضية داخل الدولة ، وتجمعه علاقات قوية بها امتدت فيما بعد إلى خارج الحدود ووصلت للمستويات العربية والآسيوية والدولية بحكم مناصبه التي تقلدها وظل محتفظا بها حتى رحل .

والظاهرة الفريدة التي كان يتمتع بها الشيخ محمد بن خالد القاسمي ـ يرحمه الله ـ عن غيره ممن دخل في محال العمل الإداري الرياضي انه كان رياضيا شاملا ومحبا لكل اللعبات ومتابعا لها .. وبرغم رئاسته لاتحاد كرة الطاولة إلا ان حضوره لمباريات كرة القدم واليد والسلة وغيرها كان مشهدا طبيعيا يألفه الجميع .. كما كان من اشد الموالين لفانيلة المنتخب ، ولأن كرة القدم هي عشقه الأكبر .. لم يتخلى لحظة كانت فيه الظروفه مواتية عن حضور مباريات الأبيض الإماراتي وتشجيعه كمواطن غيور على لون بلاده قبل ان يكون مسئولا رياضيا .. حتى ان متابعته الدائمة لمنتخب الكرة وترحاله ورائه في العديد من الدول عندما يكون مشاركا في بطولة خارجية جعله على علاقة وطيدة وأخوية قوية ومباشرة مع كل نجوم المنتخب .

ويكفي للدلالة على مدى حبه للمنتخب بخلاف انه دفع حياته ثمنا لتواجده في المقصورة لمتابعة مباراة للمنتخب .. الكلمات الصادقة والمعبرة التي قالها وهو يرقد في مستشفى راشد بعد أيام من إصابته عندما جاء نجوم المنتخب يزورونه ويهدون كأس البطولة الدولية التي فازوا بها له فقال : الآن اشعر بان ألامي قد زالت .. لقد كنت أتمنى ان أكون متواجدا في الملعب حتى احتفل مع الفريق وأشارك في أفراح بلادي الإمارات وهي تحصد أول لقب لها على مستوى كرة القدم .. وأضاف إنني أوصيت اللاعبين وأنا في المستشفى من خلال مكالمة هاتفية مع الكابتن عدنان الطلياني ببذل أقصى الجهد في المباراة الأخيرة من بطولة " إمارات " الدولية لإسعاد الجماهير والفوز بالبطولة وقد كان اللاعبون عند وعدهم .. لقد قدموا مباراة ممتازة توجوها بالظفر بكاس البطولة .

في عام 1992 م ، وعندما كان الشيخ فيصل بن خالد القاسمي يتولى منصب وزير الشباب والرياضة بالدولة رأى شقيقة محمد ـ يرحمه الله ـ قد وصل إلى مرحلة من الخبرة والنضج في مجال العمل الإداري .. وبحكم متابعته له وإشرافه الشخصي على تربيته ومعرفته بمدى حماسه وحبه للعمل الرياضي اختاره لتولي منصب رئيس اتحاد كرة الطاولة ، تلك اللعبة التي تحظى باهتمام كبير من قبل معظم أندية الدولة ، وتضم نخبة من أفضل اللاعبين على مستوى الخليج والدول العربية ولها إنجازاتها الساطعة خارجيا .. الاختيار لم يتضمن إي مجاملة ، فقد كان وزير الشباب على إيمان كامل وثقه في إن شقيقة الأصغر سيكون على قدر المسئولية التي سيحملها لأول مرة في مجال العمل بالقطاع الحكومي والمتمثل في قيادته لأحد الاتحادات الهامة التابعة للوزارة .

وفي يوليو عام 1992 م ، تولى الشيخ محمد رئاسة اتحاد كرة الطاولة رسميا ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى وفاته في ابريل 1996 م ، عاشت هذه الرياضة الشهيدة أزهى عصورها على كافة الأصعدة محليا وخارجيا وذلك باعتراف كل من ينتمي إليها من مدربين ولاعبين وإداريين .

وقد ترأس خلالها (52) اجتماعا لمجلس الإدارة هي كل ما عقده المجلس خلال هذه المدة حيث لم يتخلف ـ رحمه الله ـ ولو مرة واحده عن إي من هذه الاجتماعات التي كان يديرها بأسلوبه الهادئ وابتسامته المريحة وبشكل ديمقراطي ، وهو ما أكده من عمل معه حيث يقول حاجي الهاجري أمين سر الاتحاد .. لم يفرض المرحوم رأيه علينا ولو مره .. كان يستمع لآرائنا ويقر رأي الأغلبية .. وفي أي موضوع أو اقتراح أو مشكله تخص اللعبة يقول " شو رأيكم " .. هذا بالإضافة لأنه كان صديقا للاعبين في الأندية والمنتخب يجلس معهم ويضحك ويمرح ولم أره أبدا يتعصب على لاعب أو يغضب منه . لقد كان يعاتب المخطئ بالابتسامة والمزحه .. هكذا كان يدير دفة الأمور في اتحاد لعبة كانت " شهيدة " ولكن في عصره شهدت انتعاشا وتطورا وأحداثا جعلتا في الواجهة مع الألعاب الجماعية المحظيه ككرة القدم .

انضم الشيخ محمد بن خالد القاسمي ـ يرحمه الله ـ إلى عضوية اللجنة الاولمبية الوطنية عام 1993م ، وبعد شهور قليلة من تولية منصب رئاسة اتحاد كرة الطاولة .. وكان وقتها اصغر أعضاء اللجنة سنا لكنه بشخصيته وتواضعه وحبه للعمل صار ـ وفي فتره وجيزة ـ احد الأعضاء البارزين في اللجنة ، وأوكلت إليه العديد من المهام الخارجية والداخلية .

الخيول والسباقات

بدأ الشيخ محمد بن خالد القاسمي علاقته بعالم الخيول وسباقاتها كمشاهد ثم انتهى به الأمر كمالك وكمشارك في السباقات .. وللحكاية قصة .

عندما بدأت رياضة الأجداد تنتشر على ساحة رياضتنا المحلية بعد ان كانت خيول الإمارات العربية الأصيلة الشهيرة والقوية تحقق الإنجاز تلو الإنجاز على مضامير السباقات الأوربية .. شهدت بداية حقبة التسعينات اهتماما غير عاديا من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم ، وصدرت الأوامر السامية بتشييد المضامير العالمية على أحدث المواصفات في دبي وأبوظبي وما هي إلا شهور قليلة حتى كانت مضامير السباق في ند الشبا وجبل علي جاهزة لاستقبال السباقات التي تضاعفت جماهيريتها بصورة مذهلة وغير مسبوقة أو متوقعة لدرجة باتت تهدد الألعاب الشهيرة ككرة القدم التي أصبح حجم الجمهور الذي يتابعها لا يقارن بالمرة بآلاف الجماهير التي صارت تحرص على الذهاب لمتابعة سباقات الخيول .

ويوما بعد يوم أصبح الشيخ محمد بن خالد القاسمي احد الوجوه المألوفة في المقصورة الرئيسية بمضامير سباقات الخيل .. ومع زيادة حبه لهذه الرياضة واهتمامه بعالمها قرر ان يتخلى عن دوره كمشاهد وان يخوض هذا العالم الذي جذبه كمالك .. وبالفعل قام بشراء عدد من الخيول خلال المزادات التي كان تنظمها الإسطبلات الموجودة بالدولة ، وبدأ اسمه كمالك يكتب في كشوفات السباقات وأشواطها وكان يقول متواضعا : أنا من صغار الملاك لكنه كان يسعد جدا عندما تحقق خيوله مركزا متقدما أو تفوز بجائزة .. وقد كان رحمه الله ينوي أن يطور هوايته وان يقتني المزيد من الخيول لكن القدر لم يهمله ورحل الفارس وفقدت ميادين السباقات وجها بشوشا ومالكا كان في بداية الطريق وكانت لدية الرغبة والحماسة للمضي قدما .
الثقافة شغله الشاغل

في 8 مارس 1993 م ، أصدر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مرسوما أميريا بتعيين الشيخ محمد بن خالد القاسمي رئيسا لدائرة الثقافة والأعلام بإمارة الشارقة .. وكان وقتها لا يتجاوز من العمر (26) عاما .. ولما كانت الثقافة بشتى فنونها ونشاطاتها تأتي في مقدمة الأولويات التي يوليها حاكم الشارقة الاهتمام والدعم والرعاية الكاملة لإيمانه العميق بان أمه بلا ثقافة هي أمه بلا حضارة .. فقد كان للمرسوم الأميري بتكليف الشيخ محمد مسئولية هذا القطاع الحيوي الهام ووضعه على رأس العمل الثقافي والإعلامي بالإمارة ، وما أكثر هذا العمل والفعاليات الثقافية التي تكون الشارقة مسرحا دائما لها .. لم يكن وصول الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ إلى قمة الهرم الثقافي والإعلامي في إمارة الشارقة مفاجئا .. بل تم بشكل مدروس ومنظم لإعداده الإعداد الملائم الذي يمكنه من قيادة العمل الإداري والميداني في ساحة الثقافة الحافلة بالنشاط .. فبعد عام واحد فقط من تخرجه عين نائبا لرئيس الدائرة ، وخلال (3) سنوات اخذ ينهل خلالها من كتب الثقافة والمعرفة ويراقب الحركة الثقافية من مختلف جوانبها ويدرس شئونها وشجونها حتى أصبح مهيئا لقيادة العمل فصدر قرار تعيينه رئيسا وهو المنصب الذي ظل يشغله بكل كفاءة وإخلاص حتى وافته المنية .

ومنذ توليه هذه المسئولية الضخمة عمل بلا كلل من اجل تثبيت مكانة الشارقة كعاصمة ثقافية للدولة .. وبنفس الصفات الحميدة التي كان يتحلى بها في عمله الرياضي وهي التواضع وحب التعلم وحسن المعاملة واقتحام المشاكل في الميدان بدلا من وضع الحلول لها داخل مكاتب الإدارة .. مارس مهام منصبه فلقي ذات النجاح والحب والتقدير من كل منتمي للقطاع الثقافي والأدبي في الدولة ، ومثلما كانت له صداقات وعلاقات واسعة في ميدان الرياضة أضاف إلى رصيده صداقات جديدة من أدباء وشعراء ورسامين وكتاب وأصبحت الدائرة الثقافية في عهده كخلية نحل ، طوال العام دائمة الحركة .. من معارض للكتاب إلى بينالي الشارقة للفنون التشكيلية إلى مهرجان الطفل إلي ليالي الشارقة المسرحية .. وفي عهدة أقيمت مئات الندوات والأمسيات الشعرية والفكرية وشيدت العديد من ألابنيه الثقافية ، وأصبح معرض الشارقة الدولي للكتاب والذي تحتضنه الشارقة سنويا علامة بارزة وسمة من سمات الإمارة ، وملتقى واسع للعديد من دور النشر الخليجية والعربية والأجنبية ، حيث كان ـ يرحمه الله ـ يولي اهتماما كبيرا لهذا المعرض ويتابع بنفسه ويعمل بيده خلال الإعداد له .

بجانب منصبه كرئيس لدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة .. كان الشيخ محمد بن خالد القاسمي يتولى عدة مناصب أخرى " شرفياً " وهي جمعية المسرحيين بالدولة ، والتي تضم كافة العاملين بهذا القطاع من ممثلين وكتاب سيناريو ومخرجين ومهندسين ديكور .. وأيضا جمعية الإمارات للفنون التشكيلية التي تضم الفنانين والرسامين التشكيليين وفناني الكاريكاتير .

والغريب حقا ان الشيخ محمد والذي كانت تربطه صداقات قوية مع الفنانين بمختلف مسارح الدولة كان يستعد للعودة سريعا إلى أرض الوطن بعد ان تحسنت حالته خلال مرحلة العلاج في اسكتلندا حتى يفتتح كعادته مهرجان ليالي الشارقة المسرحية على مسرح المجمع الثقافي بالشارقة .. وكانت غالبية الممثلين والمخرجين على اتصال معه يوميا وهم يقيمون بروفات مسرحياتهم التي سيشاركون بها في الليالي ، حيث كان يؤكد لهم صديقهم ورئيسهم الفخري انه سيعود ويفتتح المهرجان ويشاركهم فرحتهم السنوية بهذا الملتقى الفني .

لم يدرك الطرفان ان مشهد النهاية قد حان وقته وان الستار سيسدل على حياة الرئيس الفخري الذي انتقل إلى جوار ربه قبل ثلاثة أيام فقط من الموعد المحدد للافتتاح .. الصدمة كانت عنيفة وطاغية في كافة الأوساط المسرحية وانطفأت أنوار المسارح وتوقفت البروفات وتأجلت ليالي الشارقة المسرحية .

الكاريكاتير

للرسم الكاريكاتيري مساحة وموقع في حياة الشيخ محمد بن خالد القاسمي وهو الذي كان يعشق هذا اللون الساخر من ألوان التعبير كممارس وليس كمتذوق .. وقد نمت هواية الرسم الكاريكاتيري عنده منذ الصغر ولم يكن له علاقة بطبيعة عمله كرئيس للدائرة الثقافية حيث دفعه حبه لهذا الفن تعلم أصوله ومحاولة إجادته ودراسة كل القواعد المتعلقة به .. وأتذكر انه كان يحضر إلى مقر جريدة الخليج في الشارقة أيام كان يدرس في الجامعة وكان يجلس بالساعات مع رسام الكاريكاتير المعروف حامد عطا ويراقبه وهو يعمل بالريشة والقلم ويسأله ويستفسر منه عن أسرار هذا الفن المحبب إلى قلبه ويعرض عليه محاولاته الكاريكاتيرية التي كان يقوم برسمها .

يقول الشيخ محمد عن الكاريكاتير .. لقد استهواني هذا النمط من الفن التعبيري فكنت دائما ومنذ الصغر أجسد على الورق بعض المواقف الاجتماعية الساخرة أو موقفا طريفا حدث مع أصدقائي .. لقد تعلمت الكثير عن هذا الفن من خلال المتابعة والقراءة والإطلاع الدائم .. وفي فرنسا بالذات اكتسبت خبرة ميدانية عندما كنت أتابع الفنانين في الشوارع والميادين ينصبون لوحاتهم ليرسموا المارة والجمهور في لحظات معدودة مقابل مبلغ زهيد فكنت أراقب حركات ريشاتهم الرشيقة وطريقة البدء في رسم الوجوه .. لقد استفدت جداً من هذه التجربة .. إما سر حبي لهذا الفن فقد يكون لقدرته على إيصال ما يريد لك بسرعة وإلى عقلك وقلبك معاً بشكل لا يخلو من طرافة أو سخرية سواء في الرسوم نفسها أو في التعليقات المكتوبة عليها .
محمد بن خالد الإنسان

ان الجانب الإنساني هو مفتاح شخصية الشيخ محمد ، وهو المليء بالمواقف والصفات التي قد تفسر لنا جزءاً من شخصيته ، وهي شخصية ذات السطوة والتأثير القوي على الآخرين وهو يتمتع بشعبية جارفة واحترام كبير وحب لا حدود له .

التواضع .. الإيمان والتقوى .. الابتسامة المشرقة التي تصافحك في شوق ولهفة قبل ان تتلامس الأيدي .. ضبط النفس وعدم الغضب حتى في اشد المواقف التي تستدعي .. الاهتمام بالمتحدث .. الحماس للعمل والرغبة في التعلم واكتساب الخبرة .. كل ذلك وأكثر تجمع في إنسان واحد وجعل منه شخصية سحرية تأثرك من أول نظرة وتكسبك من أول كلمة ولا تتركك إلا وقد وضعت بصمة مضيئة داخل نفسك تجذبك للقاؤه أكثر من مرة .. قد يكون للتربية والنشأة الصالحة دور .. وقد يكون الشيخ محمد قد اكتسب بعض الصفات والخصائص لعائلته المؤصلة والمعروفة بالنبل والكرم وأخلاقيات الفرسان .. قد يكون الله عز وجل قد خصه بصفات نادرة .. فالكل قد يبتسم وقد يرسم الابتسامة على وجهه ولكن ابتسامة محمد بن خالد القاسمي مختلفة .. مريحة .. بريئة .. صافية .. طبيعية لا تكلف فيها ولا تصدر للمجاملة .

الحادث المشؤوم

الجمعة 22 مارس 1996 م ، المقصورة الرئيسية لاستاد النصر الكروي ـ رغم اتساعها ـ لا يوجد بها موطئ لقدم .. الكل كان حريصا على متابعة اللقاء المرتقب بين مصر والإمارات في ثاني جولات الدورة الدولية لكرة القدم التي نظمها اتحاد كرة القدم للعام الثاني على التوالي .. وحظيت بمتابعة جماهيرية جارفة .. سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان رئيس اتحاد كرة القدم وسمو الشيخ فيصل بن خالد القاسمي وزير الشباب والرياضة حينئذ في مقدمة الحضور بخلاف الشيوخ وأعضاء السلك الدبلوماسي ورؤساء الاتحادات والأندية ومنهم الشيخ محمد بن خالد القاسمي الذي لم يتخلف يوما عن مؤازرة المنتخب الأبيض الإماراتي لكرة القدم والذي كانت تجمعه بمعظم عناصره صداقة حميمة .. التعادل السلبي بعده لا يزال مسيطرا على اللقاء الذي لم يتبق منه سوى دقائق معدودة .. المنافسة في الملعب حامية والوضع في المدرجات ملتهب .. الشيخ فيصل بن خالد القاسمي يقرر مغادرة الاستاد قبل نهاية المباراة لشعوره بارتفاع في درجة الحرارة .. الشيخ محمد يلبي نداء القدر ويبلغ شقيقه بعدم المغادرة وإكمال المباراة حتى تنتهي .. القدر يواصل نسج خيوط الحادث المشؤوم .. الشيخ فيصل يغادر المقصورة وشقيقه الشيخ محمد يحل محله في المقعد الموجود على يسار سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان .. فجأة يتأزم الموقف داخل المستطيل الأخضر ويحدث اشتباك محدود بين لاعبي الفريقين .. الكل يتابع الأزمة والى أين ستنتهي .. الأنظار كلها موجهة ناحية بؤرة المشكلة .. فجأة يشق صمت الترقب شيء ما مصدره مدرجات الدرجة الثالثة المواجهة للمقصورة الرئيسية .. شيء مخيف بمجرد ان انطلق جذب الأنظار ـ كل الأنظار ـ له .. يعبر الملعب في سرعة بالغة والكل لا يدري ما هو وما هو هدفه .. إنها طلقة الإنارة .. طلقة الإنارة ترفض السقوط في الملعب وتعبر في لمح البصر وتتجه صوب المقصورة .. وترتطم بالرخام وتنفجر فتحدث دويا هائلا ونورا برتقاليا ساطعا .. الهرج والمرج يسود المكان والكل يحاول الابتعاد عن موقع الدخان واللهب .. هناك شخص ساقط على الأرض والدماء تغطيه .. الكل يهرع له ويحاول إنقاذه .. الأيادي الخيرة تحمله والأصوات تتعالى مطالبة بسيارة إسعاف .. السيارة تصل ويوضع بها الشيخ محمد بن خالد القاسمي وتغادر المكان على عجل .. وتم نقله إلى مستشفى راشد التي أعلنت حالة الطوارئ بين أروقتها وفي دقائق معدودة كان حشد من الأطباء في انتظاره .. أما حالته فبكل أسف كانت انفصال أذنه اليسرى بسبب قوة الانفجار الذي أحدثته طلقة الإنارة التي مرت على بعد سنتيمترات معدودة من وجهه البشوش الذي ترفض الابتسامة مغادرته .

 

السفر للخارج

وقد كان الجناح الذي يرقد فيه الشيخ محمد والمخصص لكبار الشخصيات بمستشفى راشد بدبي ويعالج فيه من الإصابة الصعبة التي لحقت به تحول إلى مجلس يعج بالزائرين من مختلف الطوائف والجنسيات التي جاءت للاطمئنان عليه حتى ان شقيقه الشيخ فيصل الذي لم يفارقه لحظة منذ الحادث المشئوم اتخذ من المستشفى مقرا له وصار يقضي ساعات النهار وجزء كبير من ساعات الليل في استقبال وفود البشر التي عكست بصدق وبراءة كم الحب والاحترام والتقدير الذي يكنه الجميع للرجل .

ورغم الأخبار السارة عن تحسن حالة المصاب إلا ان أصحاب القرار في العائلة يقررون سفره إلى الخارج لاستكمال العلاج .. وفي يوم الأربعاء 27 مارس يغادر الشيخ محمد بن خالد القاسمي الإمارات على متن طائرة خاصة متوجها إلى مستشفى " هيلث كير انترناشيونال " بمدينة جلاسكو ياسكتلندا وتعد من ارقي المستشفيات في العالم من حيث التجهيزات والكوادر الطبية الموجودة بها .. وصاحب الشيخ محمد شقيقة الشيخ فيصل وصاحبهما معا دعوات أبناء الإمارات والأمهات بأن يمن الله على صاحب الوجه البشوش والقلب الحنون بالشفاء العاجل .. وكم كانت الدعوات صادقة ونابعة من كل القلوب على اختلاف انتماءاتها وجنسياتها لكل من عرف الرجل أو لم يعرفه .

وبفضل ثورة الاتصالات .. فالأخبار لم تنقطع .. مئات المكالمات الهاتفية تنهال على مستشفى " هيلث كير " يوميا ، وفي الأيام الأولى من الوصول كان الرد يأتي بصوت الشيخ فيصل بن خالد القاسمي يطمئن السائلين باستقرار الحالة وبقرب خضوع شقيقه لعملية جراحية هي عبارة عن زرع الإذن المبتورة في مكانها .. التفاؤل زاد والفرحة طغت عندما وصلت أخبار نجاح العملية وبدأ الشيخ محمد بنفسه في الرد على مكالمات محبيه وذويه وأصدقائه في مختلف القطاعات وخاصة القطاعين الرياضي والثقافي .


اللحظات الأخيرة

ويروي الشيخ فيصل بن خالد القاسمي اللحظات الأخيرة في حياة أخيه ويقول : تعددت الأسباب والموت واحد .. لقد كانت كل المؤشرات تدل على تحسن صحته وتعافيه ونجاح عملية زرع الأذن التي تمت في اسكتلندا .. حتى ان الشيخ محمد استطاع ان يغادر فراشه في غرفته رقم (305) بالطابق الثالث في المستشفى قبل وفاته بليلة واحدة ونزل إلى الطابق الثاني ومارس لعبة البلياردو وكانت صحته جيده .

وقد جلست معه في غرفته نتبادل إطراف الحديث حول العودة إلى ارض الوطن وبعض القضايا الرياضية والثقافية وتركته في العاشرة مساءا على وعد باللقاء في الصباح الباكر لتجهيز الحقائب والمغادرة إلى لندن لاستكمال مرحلة العلاج والنقاهة .. وفي السابعة صباحا وأنا في طريقي له وجدت الممرضات يخرجن مسرعات من غرفته ويطلبن إسعاف الطوارئ فقلقت عليه ودخلت الغرفة وسالت الممرضة ماذا حدث فردت .. لقد شعر الشيخ محمد بان الجو حار في الغرفة رغم وجود المكيفات وطلب مني ان افتح له النافذة كي يستنشق الهواء فلبيت طلبه ولكنه راح بعدها في غيبوبة وفشلت كل محاولات الأطباء المضنية في إنقاذه وخرجت الروح إلى بارئها .

 

الموكب المهيب ( صباح الثلاثاء التاسع من ابريل 1996 )

عاد جثمان الشيخ محمد الطاهر إلى وطنه الغالي على متن طائرة خاصة من اسكتلندا ، وكانت كل ترتيبات الدفن قد تم تجهيزها بمقبرة الجبيل في الشارقة .. وفي موكب مهيب يتقدمة صاحب السمو حاكم الشارقة تم دفنه .

 

الوصية

بعد أيام من رحيله وخلال فترة العزاء والحداد الرسمي أعلن شقيقه الأكبر الشيخ فيصل بن خالد القاسمي ان الشيخ محمد ـ يرحمه الله ـ قد حمله هو ووالدته الشيخة نوره بنت سلطان القاسمي وشقيقيه سلطان واحمد " وصية " سيتم الإعلان عنها في الوقت المناسب .. وبعد أيام قليلة أصدر الشيخ فيصل بيانا وزعه على الصحف وكافة وسائل الأعلام بالدولة يكشف سر الوصية .. فقد أوصى الفارس النبيل وهو على فراش المستشفى لم يشفى بعد من جرحه بالعفو عن اليد التي أطلقت طلقة الإنارة باستاد النصر يوم الحادث المشؤوم عفوا تاما .. وهكذا تضرب هذه الأسرة الكريمة العريقة مثلا ونموذجا لمعاني التسامح والعفو عن المقدرة وللامتثال لإرادة الخالق جل شأنه متجاوزه مشاعر الحزن ولوعة الفقيد .

 من كتاب

محمد بن خالد القاسمي

"الفارس الذي رحل"

بقلم عماد عثمان

Read 5140 times Last modified on الخميس, 03 تموز/يوليو 2014 10:34